بين الفراق والرفق /علي حسن

 بين الفِراق والرّفق


أَرَى راءَ "تُفارِق"ُ قبل فاءِها

              فمَن جاءَها بالفتحِ بعدَ كَسرِها


ف"َرِق"ْ أو فارقْ برفقٍ مَا أفاءَهَا

              الرحمنُ باليُسرِ إلا بعدَ عُسرِها


الشرح :


قرأتُ منشورا فيه حكمة رائعة وبارعة قد أعجبتني فأردتُ التعليقَ عليها ببيتين من الشعر وإن كنتُ لست شاعرا ولكن أحاول مرة بعد مرة لعلي ألامس إحساسهم بموازين بُحُورهم  


وهذه الحكمة تقول:


"  مختصر الحياة.....! 

    إما أن تُوافق أو تُنافِق أو تُفارِق ِ. "


فألفيتُها حكمة صادقة وفارقة! 


وأزيدُ عليها أن النجاة كل النجاة في هذه الحياة هو أخذُنا بالرفقِ في جميع أمورنا سواء أكانت اجتماعية أو سياسية أو أسرية أو مع قرارات شخصية. 


فإن فقدنا الرفق واستبدلناه بالعجلة والتسرع ربما أدى ذلك إلى نتائج غير محمودة وكئيبة قد تصل إلى الهلاك والفناء! 


فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه كما أخبر بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. 


وقد حضرتني حكمة تلخص المختصر من الحكمة السابقة في شأن الحياة فقُلتُ :


"  الحياةٌ إما أن ترفُق أو تنفُق. "

أي تموت أو تهلك.. 


نعود إلى شرح البيتين :


(أرى راء " تُفارِق" قبل فاءِها) 

أي أن كلمة"تُفارِق" لا تُجدي نفعاً ولا تأتي أكُلَها إلا إذا سبقت الراء الفاءَ أي "تُرَافِق" .


ومعنى "تُرَافق" من المصاحبة والحراسة ، فلا بد للفراق أن يصحبَه الرفقُ ويحوطَه حتى يكون الفراقُ مُجدياً،  فجذرُ كلمة (رافق)هو (رفق) فلا تدوم الصحبة إلا إذا كان الرفق عنوانا لتلك الصحبة والمعاشرة. 


والفراق هو كالكي للداء لا يلتجأ إليه إلا إذا استُنفِذت جميعُ الوسائل المتاحة ، ولكن لا بُد منه إذا لم يوجد غيره فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم شفاءً مع كرهه له. 


فهكذا هو الفراق لا بد أن يصاحبه الرفق والحكمة والأناة وعدم الاستعجال ذلك لأنه كَسر لما بُني وشُيّد وغالباً ما يكون وقعه على النفوس قاسياً ومؤلماً ويعقبُه الندمُ في كثيرٍ من الأحيان. 


يقول النبي صلى الله عليه وسلم " لايفرُك مؤمن مؤمنةً إن سخِط منها خلقاً رضِيَ منها آخرَ".


أي لا يكره مؤمن مؤمنة ولا مؤمنة مؤمناً لمجرد وجود عيب صغير  في بحر حسناتها  أو حسناته ،فيفكر في فراقها فيجب عليه أن يوازن ما لها وما عليها ، فالكيس من يضعُ رأس المال الذي هو الدين والشرف في كفة وباقي الأخلاق والعيوب في كفة أخرى فإذا صح الدين والشرف والحياء والعفة هان ما بعد ذلك إذ يمكن إصلاحه وعلاجه فلا يُعمل تفكيرَه في العيوب من دون استشعار المحاسن فيقع في نفور القلب من جهتها وهكذا يتسلل الكره والمقت إلى فؤاده شيئاً فشيئاً حتى يقع الفراق. 


المؤمن الكيس يمشي بأناةٍ وحكمة ورفق ويجب عليه أن يكونَ رقيقَ القلبِ غيرَ فظٍ ولا غليظٍ ، فخيرُ الناس خيرُهم لأهله وشر الناسِ شرهم لأهله كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. 


نعم هكذا يجب أن يكون عليه كلُ مؤمن صادقَ الوعد ويخاف الله في السر والعلن ، فكيف بالعالم أو طالب العلم الذي تشبّع عقله بالوحي وذاق نور السنة الغراء التي أنارت طريق هجرته إلى الدار الآخرة ؟!


قال خير من مشى على الثرى صلى الله عليه وسلم :


"إن المرأة خلقت من ضلع . لن تستقيم لك على طريقة . فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج . وإن ذهبت تقيمها كسرتها . و كسرها طلاقها "


فالطلاق فراق وكسر ، لهذا ذهب جمهور العلماء على كراهته عموما... 


لهذا قلت: ( فمن جاءَها بالفتحِ بعد كسرِها؟!)


هنا معنيان: معنى قريب ومعنى بعيد ولكنه المقصود

فالمعنى القريب عن الراءِ كيف كانت مكسورة بالكسرة في كلمة (تفارِق) وكيف أصبحت مفتوحة في كلمة( ترَافق)...؟!


والخيرُ لها هو الفتح لا الكسر أي الرفق لا الفراق....! 


أما المعنى المقصود بالفتح والكسر هو الرفق والفراق.... 

فالرفق هو فتح ورزق من الله لمن أحب من عباده. 


يقول صلى الله عليه وسلم مبيناً ذلك: " إذا أراد الله عز وجل بأهل بيتٍ خيراً أدخل عليهم الرفق".


هي إراده كونية ولكن لابد للمرء من اتخاذ الأسباب الشرعية لينالَ إرادة الله به الخير وذلك بالسعي في إصلاح النفس وتزكيتها بالأخلاق الحسنة ويزيل عنها كل ما يشوبها من الأخلاق السيئة والمعيبة المنفرة كالغل والحسد وحب الانتقام وحب الذات على حساب الآخرين والغلظة وغيرها كثير... 


وأعظم ما يتحل به المرء من أخلاق لكي ينال الرفق في جميع أموره خُلقُ الحلم ورقة القلب وصدق اللسان! 


فالحلم بالتحلم ومجاهدة النفس وتربيتها.

أما رقة القلب ففتح عظيم لا يناله إلا من أوتي حظا وافرا.

وصدق اللسان ملاك ذلك كله


((قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد))


لهذا قلتُ في البيتِ الثاني:


( فرِق أو فارِق برِفقٍ ما أفاءَها 

                   الرحمنُ باليسر إلا بعد عسرها) 


(ف"رِق" أو فارِق برِفقٍ) ، هما حَلّان إذا أرادَ أن يفترقَ الخِلّان! 


 إذا ازدحمت المشاكل بين زوجين أو خلين وتفاقمت ثم نجد استمراراً لعلاقتهما فاعلم أن العِبء يتحمله أرقُهما قلباً و أعظمهما صبراً و ألينُهما جناحاً ، فتجده غالباً يُرجح المصلحة في دوام العشرة وإن تضاءلت أواصر المحبة بينهما .


 ويكونُ ذلك إذا لم يتوافقا في غالب آراءهما أو تجسّرت المرأة على الرجل إذا رأتهُ كريما و حليما معها أو كان الرجلُ متسلطاً عنيفاً غليظا لا صبرَ له ولا حلم. 


والسبب الرئيس في حدوث المشاكل بين الزوجين هو عدم وجود الكفاءة بينهما ماديا وروحيا، كأن تكون المرأة مُنشّأة في النعيم من صغرها ثم تجد نفسَها عند رجل لا يُكفيها مطالبَها والمرأة عموماً ميالة إلى متاع الدنيا وزخرفتها. 


أو كانا غير متفقين روحيا لوجود البون الشاسع بين ثقافتهما ومنهجهما وعقلهما وتوجهاتهما وغير ذلك... 


فإذا حدث ذلك فإما أن يتنازل أحدهما ويرق قلبه لدوام العشرة وإما يحدث الفراق .


ووقوع الفراق يجب أن يكون بالمعروف والإحسان قال تعالى :"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وقال سبحانه :" ولا تنسوا الفضلَ بينكم "

لهذا قلتُ :" أو فارق برفق"


وإن من الظلم أن يصارح أحد الزوجين بكرهه للآخر وهو لا يريد الفراق وإنما يكون ذلك تشفياً وثأراً و تنكيداً فقط. 


بل من المعاشرة بالمعروف أن يكذب الزوج على زوجته في إبداءه حبه لها وإن لم يجد ذلك ،دواماً للعشرة وذلك من الحكمة والعقل. 


واعلم أن من كانت تلك سجيته متحملا أعباءَ الحياة المتعسّرة لابد له من فرج قريبٍ وفتحٍ من الرحمن على قدر إخلاصه ودعاءه ورحمته بالخلق " فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان " .

لهذا قلتُ "ما أفاءَها الرحمن باليسر إلا بعد عُسرها"


اللهم يسر لنا أحوالنا وارزقنا الخيرَ حيثما كان واغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا... 


" ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً "


هذا وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


بقلم:  علي حسن علي بوجرمين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الفقر عماد النعيمي العراق

(((( باسط الراحتين)))) محمد علي الطشي

سمفونيةُ القدرِ سلام العبد الله